مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
177
تفسير مقتنيات الدرر
وبالجملة شرح اللَّه حال منافقي الأعراب بأنّهم أشدّ كفرا ونفاقا لأنّهم يشبهون الوحوش ثمّ استيلاء الهواء الحارّ اليابس عليهم وذلك يوجب مزيد التكبّر والنخوة والفخر . على أنّهم ما كانوا تحت سياسة سائس ولا تأديب مؤدّب فنشؤوا كما شاؤوا ومن كان كذلك خرج على أشدّ الجهات من الفساد ومن أصبح وأمسى شاهدا لمشاهد المجرّبين المهذّبين ، وتأديبات المحاضر الكاملة كيف يكون مساويا لمن كان حليّه الودعم ، وعطره القطران ، وصيده اليربوع الأرؤل وإذا أردت أن تعرف الفرق بينهما قابل الفواكه الجبليّة بالفواكه البستانيّة فحينئذ هؤلاء أولى بالجهل وأجدر بأن لا يعرفوا حدود أحكام اللَّه من الحلال والحرام * ( [ وَاللَّه ُ عَلِيمٌ ] ) * بأحوالهم * ( [ حَكِيمٌ ] ) * فيما يحكم عليهم . قوله : * ( [ وَمِنَ ] ) * منافقي * ( [ الأَعْرابِ ] ) * من يعتقد أنّ الَّذي ينفقه في سبيل اللَّه غرامة وخسران - و « المغرم » مصدر كالغرامة - لأنّه لا ينفقه إلَّا تقيّة ورياء لا لابتغاء ثوابه وينتظر بكم الموت والقتل ويتوقّع أن تنقلب الأمور عليكم بموت الرسول ويظهر عليكم المشركون فأعاده سبحانه إليهم فقال : * ( [ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ ] ) * والدائرة إمّا صفة أو مصدر كالعاقبة والعافية والصفة أكثر استعمالا وهي خلَّة تحيط بالإنسان بحيث لا يكون للإنسان منها مخلص ، وأضيف إلى السوء على وجه التأكيد والزيادة ولو لم يضف لعلم هذا المعنى كقولك شمس النهار . و « السوء » قرئ بضم السين وبفتح السين ، فبالفتح المصدر وبالضمّ الاسم أي عليهم دائرة البلاء والعذاب وإحاطته أي يكونون محاطون بالعذاب والبلاء والمضرّة ويدور عليهم البلاء فلا يرون في محمّد وأصحابه إلَّا ما يسوؤهم * ( [ وَاللَّه ُ سَمِيعٌ ] ) * بأقوالهم و * ( [ عَلِيمٌ ] ) * بنيّاتهم . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 99 ] وَمِنَ الأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّه ِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّه ِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّه ُ فِي رَحْمَتِه ِ إِنَّ اللَّه َ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 99 ) لمّا بيّن في الآية السابقة أنّ من الأعراب من يتّخذ ما ينفق مغرما بيّن في هذه الآية أنّ منهم قوما مؤمنين صالحين مجاهدين يتّخذ إنفاقه في سبيل اللَّه مغنما . وفي هذا البيان دلالة على أنّ الأصل في جميع الطاعات الإيمان باللَّه ورسوله . ثمّ